السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
47
موسوعة الفقه الإسلامي المقارن
ويعدّوها من مصادر التشريع عندهم ويختلفون معهم في أُمور أُخرى لم يأخذوا بها في استدلالهم الفقهي وناقشوا في مشروعيتها . أما الأُمور المشتركة : فمنها - الاستدلال بالكتاب الكريم : فيعتبر القرآن الكريم المصدر الأوّل من مصادر التشريع الإسلامي عند جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم ، فلم يشك أحد في حجّية الكتاب ولزوم اتباع أوامره ونواهيه . ومنها - الاستدلال بالسنّة الشريفة : وقد اعتبرت السنّة المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي ، وهي الأساس في كثير من التشريعات ، بل لولا السنّة لما اتضحت لنا كثير من الأحكام ، خصوصاً مع الأخذ بالاعتبار أنّ التشريعات الواردة في القرآن الكريم أكثرها تشريعات كلّية واردة لبيان أصل التشريع ولم تتطرق إلى التفصيلات كما هو واضح للوجدان وظاهر للعيان ، ولذلك لم يتوقف الفقهاء كثيراً في البحث عن حجّية السنّة ، لأنّ ذلك من المسلمات عندهم على اختلاف مذاهبهم . نعم وقع الخلاف في حدود هذه السنّة ، فيرى فقهاء المذاهب أنّ السنّة هي خصوص ما صدر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) من قول أو فعل أو تقرير ، واختلفوا فيما بينهم على الاعتماد عليها وحدود ما يلتزم به من الأحاديث ، فالمعروف أن أبا حنيفة لم يعتمد على السنّة إلا قليلًا ، فذكر ابن خلدون في مقدمته : « إن الأئمة المجتهدين تفاوتوا في الإكثار من هذه الصناعة والإقلال ، فأبو حنيفة يقال بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثاً » « 1 » . وكان متشدداً في قبول الروايات . بينما نرى مالكاً يقبل المرسل من الأحاديث ما دام رجاله ثقات عنده ، وذكر في موطئه الكثير من المراسيل ومنقطع الإسناد ، وكان يعتمد كثيراً على حديث أهل الحجاز . وحكي عن أحمد بن حنبل اعتماده الكبير على الحديث ، كما انتقده البعض في دخول الضعيف والموضوع في مسنده . بينما يعتبر فقهاء الإماميّة أنّ السنّة تشمل قول الإمام المعصوم أو فعله أو تقريره ؛ لأنّ الثابت فيما ورد إلينا من الآيات المحكمات والسنّة المتواترة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن المعصوم من آل البيت ( عليه السلام ) يجري قوله مجرى قول النبي أو فعله أو تقريره ، مضافاً إلى التأكيدات الواردة عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) في أنّ ما يروونه إنما يروونه عن آبائهم عن جدّهم ( صلى الله عليه وآله ) متصلًا إليه .
--> ( 1 ) تاريخ ابن خلدون 1 : 444 .